
في ظل توسع القتال بين الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع”، تعيش العاصمة الخرطوم ومدن أخرى مثل الجزيرة ودارفور وكردفان أوضاعاً مأساوية، حيث يجد المدنيون أنفسهم عالقين وسط خطوط النار. هذا الوضع أدى إلى انتشار القبور في الأحياء السكنية، مما يضيف عبئاً نفسياً على السكان الذين فقدوا أحبائهم في هذه الحرب.
تروي مواهب عبدالحي، التي عادت من إحدى دول الجوار، معاناتها في البحث عن قبر والدها الذي قتل في المعارك. رغم جهودها المضنية، لم تتمكن من العثور على قبره بين القبور المنتشرة في العاصمة. تعبر مواهب عن شعورها بالندم لترك والدها يواجه مصيره وحيداً، وتصف صعوبة العثور على قبره بأنه أصعب من الفراق نفسه.
تفاقمت الأوضاع مع تدهور الخدمات الصحية وغياب الجهات المتخصصة، مما أدى إلى دفن الموتى في أماكن غير مخصصة مثل الميادين وساحات المساجد وحتى داخل المنازل المهجورة. في هذا السياق، أطلقت لجان مقاومة الخرطوم نداءات عاجلة تطالب بالتدخل لجمع الجثث ودفنها في المقابر العامة، مشيرة إلى وجود 117 مقبرة جديدة في الخرطوم بعد تحريرها في مارس الماضي.
رئيس هيئة الطب الشرعي، هشام زين العابدين، أعلن عن بدء دفن نحو 3800 جثة، مؤكداً أن الخدمة مجانية. وأوضح أن الهيئة تسعى لجمع القبور من الأحياء السكنية لمساعدة الأسر في التعرف إلى أفرادها المتوفين.
محمد إبراهيم، أحد سكان ضاحية الأزهري، يصف الوضع المأساوي الذي عاشه السكان خلال الصراع، حيث انتشرت القبور في الأحياء السكنية بسبب تعذر الوصول إلى المقابر العامة. يشير إبراهيم إلى الأبعاد النفسية لوجود القبور بين المواطنين، ويؤكد على ضرورة نقلها للحفاظ على الصحة العامة.
أحمد عبدالرحمن، عضو غرفة طوارئ أم درمان، يوضح أن انتشار القبور خارج المدافن الجماعية أصبح ظاهرة لافتة، مما يستوجب نقل الجثث إلى المقابر العامة. يشير إلى أهمية وضع شواهد على القبور لتسهيل التعرف على المتوفين.
الطبيب محمد عبدالكريم من أم درمان يصف الخرطوم بأنها شهدت دماراً هائلاً، ويؤكد على ضرورة إجراء عمليات إصحاح بيئي ونقل القبور لتجنب انتشار الأمراض. يشدد على أهمية الوعي العام بأهمية نقل الجثث من الأحياء السكنية قبل عودة السكان النازحين.
في الختام، تظل قضية دفن الموتى في السودان أحد التحديات الكبيرة التي تواجهها البلاد في ظل الصراع المستمر، حيث يتطلب الأمر جهوداً مشتركة من الجهات المعنية والمجتمع المحلي لضمان دفن كرامة الموتى وحماية الصحة العامة.



