في ظل عودة النشاط إلى سوق العملات الرقمية بعد فترة من التراجع، تجد البنوك نفسها مجددًا أمام إغراءات الكريبتو، مما يعيد للأذهان مرحلة ما قبل الانهيار الكبير في عام 2023. في تلك الفترة، انهارت مؤسسات مالية بارزة بسبب ارتباطها الوثيق وغير المحسوب بشركات العملات المشفرة. اليوم، ومع سعي شركات الكريبتو للحصول على تراخيص مصرفية واندفاع بعض البنوك لاستغلال ما تعتبره “فرصة ذهبية” في قطاع العملات الرقمية، يتجدد القلق من احتمال تكرار أخطاء الماضي والانزلاق إلى فوضى مصرفية، خصوصًا أن الأدوات التنظيمية المتاحة لا تزال غير كافية لمواكبة التطور السريع لهذا القطاع المتقلب.
في عام 2023، شهد القطاع المالي سلسلة من الانهيارات البنكية المفاجئة، ارتبطت مباشرة بالطفرة ثم التراجع الحاد في سوق العملات المشفرة. أبرز هذه الانهيارات كان لبنك Silvergate Capital، الذي شكلت ودائع شركات العملات المشفرة أكثر من 90% من قاعدة أمواله، مما أدى إلى انهياره بعد سحب الودائع بشكل جماعي. كما انهار Silicon Valley Bank بسبب تعرضه الكبير لقطاع الشركات الناشئة، مما أثر على عملة USDC المستقرة المرتبطة بالدولار. هذه الأحداث كشفت عن ضعف البنية المصرفية أمام المخاطر المرتبطة بالكريبتو.
بحسب تقرير “بلومبرغ”، ومع اختبار أسعار الأصول الرقمية لحدود جديدة، قد يكون الآن الوقت المناسب للجهات التنظيمية المصرفية لتولي هذا الأمر اهتمامًا أكبر. رغم وعود الإصلاحات بعد انهيار 2023، لم يحدث الكثير، بل ألغى المنظمون التوجيهات التي سعت إلى الحد من مشاركة البنوك في شركات العملات المشفرة. يجب على المنظمين إجراء تعديلات حكيمة ومراعاة دروس انهيار 2023، مثل إلزام المصارف بتقديم ضمانات كافية لتغطية سحب جميع الودائع غير المؤمنة، وتعزيز ضوابط إدارة المخاطر ومكافحة غسل الأموال.
ريادي الأعمال رامي الدماطي يرى أن عودة وهج العملات المشفرة لا تعني بالضرورة عودة الثقة الكاملة، مشيرًا إلى أن الدروس المستفادة من 2023 لا يجب أن تُنسى. ما تحتاجه البنوك اليوم هو شراكة محسوبة قائمة على حوكمة رشيدة ومخاطر مدروسة وتشريعات حديثة. رغم وجود إشارات تدل على حذر أكبر، إلا أن بعض المصارف لا تزال تطارد الأرباح قصيرة المدى، متناسية ما حصل في السابق.
الخبير فادي خوري يشير إلى أن شركات الكريبتو تسعى للحصول على تراخيص مصرفية تقليدية، مما يمنحها فرصة لتوسيع مصادر إيراداتها وتقديم منتجات جديدة. ومع ذلك، يحذر خوري من أن دخول شركات الكريبتو إلى عالم المصارف دون التزام بمعايير حوكمة كافية قد يشكل تهديدًا لاستقرار النظام المالي. لا يمكن منع الابتكار عبر إقصاء الكريبتو من النظام المالي، ولكن يجب خلق إطار تنظيمي خاص ودقيق لتنظيم هذه العلاقة.
