بعد مرور ستة أشهر على بداية الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، أصبحت التجارة العالمية أكثر غموضاً، حيث بدأ المصنّعون العالميون في إعادة النظر في وجودهم داخل الصين بسبب الرسوم الجمركية الأميركية. في هذا السياق، تتحرك الهند لاقتناص الفرصة، مستفيدة من جيش العمال الشباب والأجور المنخفضة مقارنة بالقوى الصناعية الآسيوية الأخرى. وقد نجحت الهند في جذب الاستثمارات الأجنبية، خاصة في الولايات الجنوبية المتقدمة، بفضل الحوافز الضريبية ومشاريع البنية التحتية.
لطالما كان تطوير قطاع تصنيع قوي في الهند حلماً بعيد المنال، حيث كانت السياسات الاقتصادية في السنوات الأولى بعد الاستقلال تركز على الاكتفاء الذاتي، مما أدى إلى اقتصاد مغلق. ومع إصلاحات التسعينيات، بدأت الهند في جذب الاستثمارات الأجنبية، إلا أن الاقتصاد بقي معتمداً بشكل كبير على قطاع الخدمات. وفي عام 2014، أطلق رئيس الوزراء ناريندرا مودي حملة “صُنع في الهند”، لكن مساهمة التصنيع في الناتج المحلي الإجمالي لم تصل إلى الهدف المنشود.
ورغم التحديات، تبرز ولاية تاميل نادو كاستثناء، حيث تقترب من تحقيق هدف مودي في أن يشكّل التصنيع 25% من الاقتصاد. وتحتضن تاميل نادو أكبر عدد من المصانع في الهند، بفضل سياسات استثمارية طويلة الأمد. وتعد الولاية ركيزة رئيسية للصادرات الصناعية، حيث تنتج نسبة كبيرة من صادرات الإلكترونيات والسيارات.
وفي قلب ولاية تاميل نادو، برزت مدينة هوسور كمحرك صناعي رئيسي، حيث تحتضن مصانع كبرى مثل “أولا إلكتريك موبيليتي” و”تاتا إلكترونيكس”. وتستمر الاستثمارات في هوسور، حيث اختارت شركات كبرى المدينة لتشييد منشآت متطورة، مما يعزز من مكانتها كمركز صناعي.
ورغم التقدم، تواجه جنوب الهند تحديات، حيث تعتمد الصناعات الهندية على استيراد المكونات الأساسية من الصين، مما يضعها في موقف هش وسط التوترات الجيوسياسية. ويؤكد المحلل الاقتصادي محمد سعد أن الهند تتبنى مساراً تنموياً مختلفاً عن الصين، يركز على بناء بيئة أعمال مرنة وشراكات استراتيجية.
وترى الكاتبة والصحفية رلى راشد أن نجاح الهند لا يعتمد فقط على تكاليف الإنتاج المنخفضة، بل على الاستقرار السياسي وكفاءة البنية التحتية. وتؤكد أن السؤال الحقيقي هو كيفية توزيع الأدوار بين الهند والصين في التصنيع العالمي، حيث يمكن للهند أن تلعب دوراً محورياً في مراحل التجميع النهائي وخدمات ما بعد التصنيع، مما يعيد رسم خريطة التصنيع العالمية.


