في تحول تاريخي لم يشهده العالم منذ ما يقارب نصف قرن، يواصل الذهب تسجيل أرقام قياسية للعام الثالث على التوالي، متجاوزاً حاجز 3600 دولار للأونصة، محققاً مكاسب سنوية بلغت 39 بالمئة، وهي الأعلى منذ 46 عاماً، وفقاً لبيانات “تريدنغ فيو”. هذا الارتفاع السريع يثير تساؤلات حول العوامل المؤثرة، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على الطلب التقليدي أو المضاربات المالية، بل يعكس تحولات استراتيجية في النظام النقدي العالمي.
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا والعقوبات الأميركية على روسيا، اتجهت البنوك المركزية العالمية إلى تكديس الذهب بشكل غير مسبوق، في محاولة لتقليل الاعتماد على الدولار وتعزيز أدوات التحوط في مواجهة التوترات الجيوسياسية. ووسط هذه الظروف، توقعت مؤسسات مالية كبرى مثل “غولدمان ساكس” وصول الذهب إلى 5000 دولار للأونصة بحلول عام 2026، إذا ما تعرضت مصداقية الفيدرالي الأميركي لضغوط سياسية من الرئيس دونالد ترامب.
وصف الرئيس التنفيذي لشركة “تارجت لإدارة الأصول”، نور الدين محمد، هذا التحول بأنه انعكاس لانعدام الثقة المتزايد في الدولار الأميركي وصعود التكتلات الدولية الجديدة، مؤكداً أن السعر العادل لأونصة الذهب قد يتجاوز 4000 دولار في ظل الظروف العالمية الحالية.
منذ بداية الحرب الأوكرانية، اشترت البنوك المركزية حوالي 115 مليون أونصة من الذهب، وهو رقم ضخم يعيد تشكيل موازين القوة المالية. الهدف لم يكن مجرد التنويع في الأصول، بل تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي وضمان استقلالية الاحتياطيات النقدية بعيداً عن تقلبات السياسة الأميركية. لأول مرة منذ 29 عاماً، تجاوزت قيمة احتياطيات الذهب لدى هذه البنوك قيمة حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية، مما يعكس تراجع الثقة بالدولار وبالاقتصاد الأميركي.
الصين، كقوة اقتصادية صاعدة، اشترت خلال الأشهر العشرة الأخيرة حوالي 1.22 مليون أونصة، في رسالة واضحة تعكس توجهها الاستراتيجي نحو تقليص الاعتماد على الأصول الدولارية. هذا التوجه يعكس جزءاً من صراع النفوذ بين الشرق والغرب، حيث يسعى أعضاء التكتلات الناشئة إلى تعزيز مكانة الذهب كأداة للتحوط وكاحتياطي استراتيجي بعيداً عن هيمنة الدولار.
إلى جانب المشتريات الضخمة للبنوك المركزية، جاء تراجع سعر الدولار الأميركي كعامل إضافي لصالح الذهب. العملات العالمية الأخرى وجدت فرصة لتعويض الخسائر الناتجة عن قوة الدولار في الأعوام الماضية. ومع توقعات السوق بأن الفيدرالي الأميركي قد يتجه نحو تخفيض أسعار الفائدة، تزايدت الرهانات على استمرار صعود الذهب. تقرير حديث لـ”غولدمان ساكس” أشار إلى أن الذهب قد يصل إلى 5000 دولار للأونصة بحلول 2026، إذا ما تعرضت مصداقية الفيدرالي الأميركي للاهتزاز.
يختلف تأثير المشتريات على أسعار الذهب باختلاف هوية المشترين. فحين تكون المشتريات من جانب البنوك المركزية، فإنها تكتسب طابعاً استراتيجياً طويل الأجل. هذه البنوك لا تبيع بسهولة لأنها تشتري الذهب كاحتياطي استراتيجي للتحوط من التضخم وحماية قيمة عملاتها. على العكس، حين تكون المشتريات من قبل صناديق الاستثمار أو المستثمرين الأفراد، فإن احتمالات البيع عند أول فرصة للربح تكون مرتفعة، مما يخلق تذبذبات قصيرة المدى في السوق.
في ظل هذه المعطيات، يرى نور الدين محمد أن “السعر العادل اليوم للذهب هو 4000 دولار للأونصة”، وهو تقدير يعكس حجم الضغوط العالمية على الدولار وارتفاع مستويات التضخم. ويضيف: “مع أن هذا التقدير يتناقض مع ما قلته قبل ستة أو سبعة أشهر، فإن الظروف الحالية تجعل من 4000 دولار سعراً عادلاً ومقبولاً”. لكن المسألة لا تقف عند التقديرات، إذ إن قرارات الفيدرالي الأميركي المقبلة ستلعب دوراً مهماً في تحديد المسار.
إن صعود الذهب إلى مستويات تاريخية يعكس تحولاً هيكلياً في النظام المالي العالمي. فالمشتريات الضخمة للبنوك المركزية، والانقسامات الجيوسياسية، وتراجع الثقة بالدولار، كلها عوامل تدفع نحو إعادة تموضع الذهب كأصل رئيسي في المعادلة الاقتصادية الدولية. ومع ترقب الأسواق لقرارات الفيدرالي الأميركي، يبدو أن الذهب سيبقى في موقع الصدارة كـ”ملك الأصول الآمنة”، حيث يتحول إلى عملة موازية تفرض حضورها بقوة في عالم يتغير بسرعة.


