
مع كل أزمة كبيرة في مصر، يرتفع سقف السخرية لتصبح وسيلة يلجأ إليها المواطنون لفهم المشكلة والتعايش معها. هذا ما حدث بعد حريق سنترال رمسيس بوسط العاصمة، حيث استُدعي سلاح النكتة ليؤدي دوره كوسيلة دفاع نفسية واجتماعية يتفق عليها الجميع.
رغم انقطاع الاتصالات والإنترنت في معظم مناطق مصر تزامناً مع الحريق الضخم الذي التهم سنترال رمسيس، إلا أن كل من كان يلتقط إشارة ضعيفة تمكن من الولوج إلى حساباته على السوشيال ميديا، حيث كانت أولى تدويناتهم ساخرة، أو نشروا صور ميم معبرة عن وجهة نظرهم بصورة مختصرة ومضحكة. وجد الكثيرون أنفسهم في حيرة بعد توقف هواتفهم عن الإرسال والاستقبال، وتوقف المعاملات البنكية الإلكترونية دون سابق إنذار.
النكات والسخرية: ملاذ المصريين في أوقات الأزمات
فيما تساءل البعض عن دور الإعلام المحلي في تغطية الكارثة والبحث عن مواطن الإهمال التي أدت إليها، مما تسبب في وفاة أربعة موظفين اختناقاً، وإصابة أبرز المؤسسات بالشلل، كان المصريون يترحمون على الضحايا ويشيدون برجال الحماية المدنية الذين قدموا ملحمة في ظل الظروف الصعبة، وكانوا يعلقون بسخرية سوداء على ما يحدث، محاولين تخفيف وطأة الواقعة بممارسة هوايتهم في الفكاهة المرة وابتكار كوميكس مستمدة من الثقافة الشعبية.
القفز فوق المآسي بالتنكيت عادة مصرية راسخة، إذ تنشط بقوة في المواقف الكارثية والأحداث الكبرى. حتى الحرب الإيرانية-الإسرائيلية شهدت موجة من النكات التي ألقاها مصريون، نابعة من هذا الحس الذي يتحول مع الأيام إلى طريقة للتعايش ووسيلة للتأقلم، وإن كانت الأحداث خلال الأعوام الأخيرة قد صبغت عليه لوناً قاتماً، مثلما هي الحال في واقعة سنترال رمسيس الواقع وسط القاهرة، الذي يوصف بعصب الاتصالات داخل البلاد.
ونظراً إلى أن الأضرار لم تُحصَ بصورة دقيقة، فإن المعلومات حول جودة خدمات الإنترنت كانت تُتداول شعبياً بالوسائل المتاحة. ونظراً أيضاً إلى التباين في مستويات الخدمة بعد عودتها جزئياً، فإن هناك من ظل أكثر من يوم دون اتصالات هاتفية وإنترنت، بينما كان يعيش بعض حياته بصورة طبيعية، مثل وزير الشؤون النيابية محمد فوزي الذي ظهر في البرلمان وهو يدلل على حل المشكلة تماماً، شاهراً شاشة هاتفه المحمول بعدما نجح في تحويل إلكتروني بمبلغ مالي لنجله، وهي الصورة التي انقلبت عليه حيث استخدمت بصورة معاكسة تماماً، من الفئة التي تقع في مناطق جغرافية ظلت الخدمة فيها منقطعة ثلاثة أيام على التوالي.
فيما تداول آخرون صوراً من لقطات معبرة لنجوم الفن في أفلامهم ومسلسلاتهم، وعليها تعليقات من نوعية “أتعشم أن مخالفات المرور تكون راحت في أحداث السنترال”، في دلالة على رغبتهم في التخلص من الوثائق التي تفند مخالفاتهم التي تستدعي دفعهم غرامات، وآخرون رفعوا أيديهم بالدعاء بألا تعود أبداً خطوط هواتف موظفي شركات العقارات للعمل، نظراً إلى أنهم يمطرون المواطنين بسيل من الاتصالات يومياً، عارضين عليهم شراء وحدات بعشرات الملايين من الجنيهات.
لكن هل يمكن أن تصنف السخرية هنا كنوع من الاستهتار أو اللامبالاة؟ تنفي الدكتورة جيهان النمرسي أستاذ علم النفس بجامعة الأزهر هذا الاتهام تماماً، وتؤكد أنه على العكس تماماً، فالنكتة الاجتماعية أو السياسية هي ظاهرة إيجابية وصحية للغاية وتنمي الإبداع والتفكير. لافتة إلى أن الشخص غير المبالي يعزف عن التعليق على الأحداث بالمرة، بينما من يشارك بالتنكيت والسخرية هو يعبر عن رأيه بوسيلة ذكية وسليمة تساعده على التكيف، وبخاصة إذا كان النقد اللاذع غير مقبول سياسياً أو اجتماعياً، مشددة على أن هذه طبيعة المصريين منذ قديم الأزل، وأن السخرية في أحلك الظروف انتقلت منهم للشعوب الأخرى.
يوصف المصريون بأنهم شعب ابن نكتة، لكنهم أيضاً اتهموا خلال فترة من الفترات بأن روح الفكاهة غابت عن عالمهم بفعل الضغوط والتوترات، لكنها تطل بكل قوة وتتفجر كالسحر بوسائل كثيرة حينما يتطلب الأمر ذلك. إذ كانت في مراحل سابقة تتداول على المقاهي، لا سيما السياسية منها، وشهدت الأعمال الفنية الكوميدية إبداع كثير منها، وبعضها أصبح عبارات محفوظة تتداول حتى اليوم وكأنها قاموس شعبي محفوظ، وظهرت أيضاً على صورة مونولوغ يقدم نقداً اجتماعياً لاذعاً، ثم حدثت انطلاقتها الكبرى عقب ثورة يناير، فبالتوازي مع أحداثها تفجرت كل النكت السرية التي كانت تتداول على استحياء في عصر مبارك، وظهرت كتب ووثائقيات متعددة تتحدث عن أبرز العبارات الساخرة التي أطلقها المتظاهرون للتعبير عن آرائهم بصورة مختزلة ومؤثرة وجريئة، ثم تدريجاً أصبحت تتوارى وتنبعث وفقاً للوضع.
تلخص المستشارة النفسية وأستاذ علم النفس بجامعة الأزهر الدكتورة جيهان النمرسي الفكرة بتأكيد أن حس السخرية الذكي جزء أصيل من الشخصية المصرية، وهو يظهر بقوة في الأزمات السياسية والاقتصادية بهدف التنفيس عن المشاعر السلبية والغضب، كذلك انتشارها وتداولها يمنح الأفراد شعوراً بعدم الوحدة أي إن المصيبة لا تخصهم وحدهم، بل أزمة عامة يشترك فيها مع الآخرين.
فالحيل النفسية للتعامل مع “وقف الحال” الذي أصاب نسبة كبيرة من المصريين، ظهرت على هيئة كوميديا، وهي تعد من أهم ميزات الحس الساخر لديهم، إذ يشدد الدكتور محمد كمال أستاذ القيم بجامعة القاهرة على أن السخرية تساعد في تخفيف وقع وحجم الأزمة، وهي تستخدم كآلية دفاع تساعد الأشخاص على التعامل مع الصدمة النفسية والتوتر الشديد الناتج من الكارثة، وتعد تنفيساً عن الغضب والإحباط والانتقاد بصورة لا تعرض الشخص للمساءلة القانونية أو الاتهام بالمعارضة السياسية.
ويضيف “هي أيضاً تكسر الحواجز وتفتح قنوات للتواصل بصورة أقل حدة حول موضوعات مؤلمة وشديدة الأهمية. وعلى الجانب الآخر، فإن استخدام النكتة في حالات الكوارث لا يخلو من خطورة كبيرة إذ يستخدمها أعداء الدولة ويساعدون على انتشارها بصورة كبيرة، وبخاصة في ظل السوشيال ميديا ليس للأسباب الإيجابية أو حتى انتقاد المخطئين بل لنشر روح اليأس والإحباط وانتقاد الدولة، وليس المسؤولين المتسببين في ما حدث”.


