
في عالم الفن التشكيلي، ليس من الغريب أن يمضي الفنان سنوات طويلة في رسم وجهه في لوحات تُعرف بـ”الأوتوبورتريه”. ومن بين الفنانين الذين تركوا بصمة في هذا المجال، يأتي الرسام الفرنسي نيكولا بوسان، الذي لم يرسم نفسه إلا في عدد قليل من اللوحات، أبرزها بورتريهان رسمهما في عامي 1649 و1650. وعلى الرغم من التشابه الظاهري بين اللوحتين، إلا أن الفروق المزاجية بينهما تبرز عند التمعن فيهما.
في حين أن العديد من الفنانين الكبار مثل رمبراندت وبيكاسو وفان غوخ قد تركوا وراءهم العديد من اللوحات الذاتية، فإن بوسان كان استثناءً نادراً. فقد رسم نفسه في لوحات قليلة، منها بورتريهان يُعتقد أنهما رُسما في نفس الفترة تقريباً. اللوحتان تبدوان متشابهتين في البداية، لكن الفروق بينهما تكشف عن مزاج الرسام المتغير.
الجامع الفرنسي شانتيلو، الذي كان صديقاً لبوسان، استغل وجود الرسام في باريس ليطلب منه بورتريه ذاتي. بوسان، الذي كان يعيش معظم وقته في روما، قبل الطلب وأنجز اللوحة خلال أشهر قليلة. لكن بعد تأملها، قرر بوسان أن شانتيلو يستحق ما هو أفضل، فبدأ في رسم لوحة ثانية أرسلها إلى شانتيلو، بينما أرسل الأولى إلى صديق آخر في روما.
اللوحة الأولى، التي تُعرض الآن في برلين، تُظهر بوسان منحنياً برأس مائل قليلاً، مع تعبير شجن على وجهه. أما اللوحة الثانية، المعروضة في متحف اللوفر، فتُظهر بوسان في جلسة أكثر رسمية، مع نظرة حازمة، مما يعكس مكانته الاجتماعية والتاريخية.
اللوحتان، رغم تشابههما، تُظهران اختلافات دقيقة في كيفية رؤية بوسان لنفسه وكيف يريد أن يراه الآخرون. هذه الفروق أثارت اهتمام الباحثين، خاصة وأن الفاصل الزمني بين اللوحتين يكاد يكون معدوماً، مما يعني أن الفروق كانت مقصودة.
في النهاية، اللوحتان تُظهران بوسان في مزاجين مختلفين، مما يعكس تعقيد شخصيته ومكانته في عالم الفن التشكيلي. اللوحة الأولى تُظهره في لحظة تأمل وشجن، بينما الثانية تُظهره في موقف رسمي وجاد، مما يعكس التوازن بين الجانب الشخصي والمهني في حياته.


